قصة عودة إلى الذات بعد غياب طويل.
في حلمي ذلك، وجدت نفسي وسط صحراء غريبة، لا حرارة فيها ولا برودة، فقط ضوء خافت يملأ المكان. خطواتي كانت تترك أثراً يختفي فوراً، وكأن أحداً يمسح وجودي خلفي.
عند شجرة بيضاء شفافة، رأيتها جالسة هناك. امرأة تشبهني لكنها ليست أنا تماماً. ثوبها كان بلا لون، وشعرها ينساب كالنهر الهادئ. عيناها كانتا تعرفانني أكثر مما أعرف نفسي.
![]() |
| عودة إلى الذات |
"لطالما انتظرتكِ" همست بصوت يشبه خرير الماء. لم تكن كلماتها تخرج من فمها، بل كانت تهبط في رأسي كذكرى قديمة.
جلست بجانبها، وكان صمتي أثقل من أي كلام. في تلك اللحظة، شعرت أن كل ما أخفيته عن نفسي صار مرئياً بيننا. "أنتِ لم تفقدي طريقكِ، فقط نسيتِ أن تستمعي" قالت وهي تشير إلى صدري.
نظرت في عينيها فرأيت كل الأيام التي هربت فيها من نفسي، كل المرات التي اختبأت فيها خلف أقنعة الآخرين. كان الألم فيها واضحاً، لكنه لم يعد يؤلم.
"متى توقفتِ عن سماع صوتكِ الحقيقي؟" سألتني. لم أجب، لكن دموعي كانت إقراراً بما عرفته دائماً.
مدت يدها ولمست جبيني برقة، فانفتح الكون أمامي ككتاب مضيء. رأيت حياتي كلها ممتدة كخيط من ذهب، كل عثرة فيه كانت درساً، وكل فرحة كانت هدية.
ثم همست لي:
"حين تستيقظين، لا تعودي للنوم ثانية. أنا هنا دائمًا، في انتظارك."
استيقظت على همسة خفيفة تلامس أذني، كأنها نسيم يحمل وعوداً قديمة. تلك الكلمات التي قالتها لي قبل أن أغفو، بقيت عالقة في الهواء كرائحة القهوة الصباحية.
فتحت عينيّ فوجدت دمعتي الأولى تتدحرج على خدي. هل كان هذا الدمع من ألم الفراق أم من دفء اللقاء؟ لا أعرف حقاً. لكن شيئاً في أعماقي كان يهمس بأن الطريق إليها ما زال مفتوحاً.
إلى تلك النسخة مني التي ما زالت تجلس هناك، على مقعد الانتظار، تمسك بتذكرة العودة وأنا الوحيدة التي يمكنها أن أصل إليها.
-min.jpg)