🐋 حوار مع حوت الوعي
كنت أغطس في حلم، أو ربما في بُعدٍ آخر، حين وجدت نفسي أسبح في بحرٍ بلا لون، بلا قاع، بلا نهاية.
لا صوت، لا جدران، لا زمن... فقط نبض يشبه صوت قلبي، لكن أبطأ، أعمق، وأقرب إلى الأرض الأولى.
وفجأة، اهتز الماء من حولي، وشعرت بشيء عظيم يقترب.
لم أخف. بل سكنتني طمأنينة غريبة، كأنني كنت بانتظاره منذ آلاف السنوات.
![]() |
حوار مع حوت الوعي |
ظهر من العتمة كجبل أزرق متوهج... حوت، ضخم، عتيق، عينه كوكب، وصوته أشبه بأغنية عمرها من عمر المجرة.
اقترب مني وقال — دون كلمات — بل عبر موجة إحساس عبرتني:
"ماذا جئت تبحثين في قاع هذا اللامكان؟"
أجبته بعينين غارقتين في صمتٍ طويل:
"جئت أبحث عن نفسي... التي ضاعت بين الضجيج، والمقارنات، والخوف."
غاص الحوت ببطء، فأشار لي أن أتبعه.
سبحت خلفه وأنا أشعر كأنني أخلع طبقات منّي مع كل متر أعبره:
-
خلعْتُ ماضيي.
-
خلعْتُ كل صوت قيل لي أنني لستُ كافية.
-
خلعْتُ صورتي عن نفسي، وتركتها تطفو نحو السطح.
حين توقفت معه في أعماقٍ لا يصل إليها البشر، قال لي:
"كل ما تبحثين عنه، يسكن هنا، لا في الأعلى، بل فيكِ."
ثم لمس جبهتي بذيله، فانفجر داخلي مشهد:
-
رأيت وجهي الحقيقي...
-
رأيت طفولتي وهي تبتسم لي.
-
رأيت حزني يذوب على شكل نجم صغير.
قلت له وأنا أبكي:
"لكنني نسيت كل هذا..."
أجابني بصدى يملأ المحيط:
"كلنا ننسى، لكنّ الروح تتذكّر دائمًا."
حين صعدت إلى السطح، لم يكن جسدي مبللاً، لكن قلبي كان مملوءًا.
استيقظت من حلمي، ولم أعد كما كنت.
منذ تلك الليلة، صار في داخلي حوت... يذكّرني كلما نسيت.
.jpg)