خلف الجدار الرابع للعقل
دخلت إلى المسرح الخالي في منتصف الليل، حيث تقف الكواليس خلف الجدار الرابع للكثير من الأسرار. أضواء التصوير توارت منذ زمن بعيد، لكن شيئاً ما لم يطف تماماً. في زوايا هذا المكان المهجور، تراكمت مشاهد لم تُعرض أبداً، حكايات توقفت عند منعطف الزمن، أبطال لم يلقوا ودهم الأخير.
![]() |
| خلف الجدار الرابع للعقل |
وضعت يدي على الجدار الخشبي القديم، فسمعت صوت أنين عميق. كانت صوت العقل المأسور، الذي يخفي وراء هذا الجدار روايته المفقودة. كل ما لم يُفهم، كل ما أُخفي، كل ما بقي في الظلام، كان يسكن هنا في صمت مؤلم.
"من هناك؟" سأل صوت من الداخل. لم أجب، لأنني أدركت أنني أسمع صوت عقلي . العقل الذي يعيش خلف الجدار الرابع، الذي نبنيه في كل مرة نخفي حقيقة ما، نكبت مشاعرنا، نتجاهل صراخ القلب.
وراء هذا الجدار، اكتشفت أن العقل ليس سجيناً، بل هو الحارس المخلص. يحمي أسراراً لا يستطيع الناس تحملها، أحلاماً قد تُدمِر إن رأت النور. لكنني رأيتُ نظراته الخلفية، وسمعتُ همساته: "لماذا تُخفي ما لا يُخزي؟ لماذا تكبت ما لا يؤذي؟"
كان هناك أرواح محاصرة، أفكار ممنوعة، مشاعر موقوفة في حجر الذاكرة. كل إجابة لم تُطرح، كل سؤال خاف من نفسه، كل حقيقة رفضت أن تولد. العقل كان يحميهم جميعاً، لكنه نسى أن يحمي نفسه من الوحدة.
في تلك اللحظة، بينما القمر ينظر من النافذة المكسورة، تحطمت الأضواء الواهنة، وانهار الجدار الرابع. لم يعد هناك حاجز بين الممثل والجمهور، بين الوعي واللاوعي، بين الحقيقة والوهم.
انهار كل ما بناه الإنسان لنفسه من جدران، من أقنعة، من أسرار. لم يعد هناك رابع جدار، ولا خلف، ولا أمام. كان كل شيء واحداً... الحقيقة التي عاشت في الخفاء، والحرية التي أتت من المعرفة، والعقل الذي كان حراً أخيراً.
خرجت من المسرح، والسر لم يعد سراً. العقل كان حراً أخيراً، يضحك، يبكي، يفكر، يحلم... بلا جدران، بلا قيود، بلا أسرار.
وراء الجدار الرابع، لم يكن الجنون، بل كان العقل الحقيقي ينتظر أن يُرى.
